الشوكاني
270
نيل الأوطار
لا بخصوص السبب واللغو عام ، وهو في اللغة الباطل من الكلام الذي لا فائدة فيه ، والآية خارجا مخرج المدح لمن فعل ذلك ، وليس فيها دلالة على الوجوب ، ومن جملة ما استدلوا به حديث : كل لهو يلهو به المؤمن هو باطل إلا ثلاثة : ملاعبة الرجل أهله ، وتأديبه فرسه ، ورميه عن قوسه . قال الغزالي قلنا : قوله صلى الله عليه وآله وسلم فهو باطل لا يدل على التحريم بل يدل على عدم الفائدة انتهى . وهو جواب صحيح ، لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح ، على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيح خارج عن تلك الأمور الثلاثة ، وأجاب المجوزون عن حديث ابن عمر المتقدم في زمارة الراعي بما تقدم من أنه حديث منكر ، وأيضا لو كان سماعه حراما لما أباحه صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر ، ولا ابن عمر لنافع ، ولنهى عنه وأمر بكسر الآلة ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وأما سده صلى الله عليه وآله وسلم لسمعه فيحتمل أنه تجنبه كما كان يتجنب كثيرا من المباحات ، كما تجنب أن يبيت في بيته درهم أو دينار وأمثال ذلك . لا يقال : يحتمل أن تركه صلى الله عليه وآله وسلم للانكار على الراعي إنما كان لعدم القدرة على التغيير . لأنا نقول : ابن عمر إنما صاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالمدينة بعد ظهور الاسلام وقوته ، فترك الانكار فيه دليل على عدم التحريم ، وقد استدل المجوزون بأدلة منها قوله تعالى : * ( ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ) * ( الأعراف : 157 ) ووجه التمسك أن الطيبات جمع محلى باللام فيشمل كل طيب ، والطيب يطلق بإزاء المستلذ وهو الأكثر المتبادر إلى الفهم عند التجرد عن القرائن ، ويطلق بإزاء الطاهر والحلال ، وصيغة العموم كلية تتناول كل فرد من أفراد العام فتدخل أفراد المعاني الثلاثة كلها ، ولو قصرنا العام على بعض أفراده لكان قصره على المتبادر هو الظاهر . وقد صرح ابن عبد السلام في دلائل الاحكام أن المراد في الآية بالطيبات المستلذات ، ومن جملة ما استدل به المجوزون ما سيأتي في الباب الذي بعد هذا ، وسيأتي الكلام عليه . ومن جملة ما استدل به المجوزون أنا لو حكمنا بتحريم اللهو لكونه لهوا لكان جميع ما في الدنيا محرما ، لأنه لهو لقوله تعالى : * ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) * ( محمد : 36 ) ويجاب بأنه لا حكم على جميع ما يصدق عليه مسمى اللهو لكونه لهوا ، بل الحكم بتحريم لهو خاص وهو لهو الحديث المنصوص عليه في القرآن ، لكنه لما علل في الآية بعلة الاضلال عن سبيل الله لم ينتهض للاستدلال به على المطلوب ، وإذا تقرر جميع ما حررناه من حجج